محمد ابراهيم شادي
30
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
بكثير ، وقد أحسن الباقلاني عندما استبعد كلمة الموازنة ؛ لأن ما فعله لم يكن موازنة بالمعنى الدقيق الذي نفهمه الآن للموازنة والذي يقتضى ترديد النظر بين نصين يلتقيان في الموضوع ويتفاوتان في طريقة التعبير والتصوير وفي طرق النظم ، فتكون الموازنة هي السبيل حينئذ للمفاضلة بين النصين ، ومعرفة الخصوصيات المميزة لكل نص ، ثم معرفة ما يفضل به نص على آخر وأسباب ذلك التفضيل فهناك تسامح كبير في تسمية البعض ما فعله الباقلاني " موازنة " ؛ لأن الذي فعله ونص عليه هو النظر إلى ما اختاره من شعر لا خلاف على قيمته ليثبت أنه يتفاوت في مستواه ويطرأ عليه الضعف والتقصير ، وأنه يقع مثله من كلام غيره بخلاف القرآن الذي لا يتفاوت أسلوبه مهما تعددت أغراضه وتعددت وجوه التصرف فيه ، وأنك لا تجد له مثيلا ، يقول الدكتور الجويني : " إن الباقلاني ومعاصريه رأوا أنه في الإمكان أن يوازنوا بين قصيدة من الشعر وسورة من القرآن وإن لم يتحد الموضوع ، وسبيل ذلك أن تبيّن محاسن القصيدة ومساويها ويشرح فيها المبتذل والطريف والمقبول والمرذول ثم يقابل ما سلم فيها بالسورة التي توازيها في الكمية ليظهر ما في السورة من المحاسن التي لم يشبها ضعف ولا تهافت ولا فضول ، وهذا النحو من النقد من المحاولات البارعة في الأدب العربي ولا عيب فيه إلا التحامل والإسراف " « 1 » أرأيت كيف عدها الجويني وغيره موازنة مع أنها ليست كذلك ؟ سوى أن ما يذكر للباقلاني في هذا المجال أنه تخيّر من الشعر قصيدة كاملة ليتأتى له البحث عن مدى ثبات المستوى أو تفاوته بين سائر أبياتها وإلا فإن إثبات هذا بشكل موضوعي لا يتم من بيت واحد أو بيتين . بين منهج الرماني والباقلاني : - موازنة الرماني كانت جزئية لكنها كانت أصوب وأمكن ، لأنه وازن ين آية أو جزء من آية وبين مثل عربي يجمع بينهما غرض واحد أو يشتركان في أصل المعنى وهذا من أهم شروط الموازنة ، لأن التفاضل والتفوق لا يظهر
--> ( 1 ) جماليات الشك والمضمون . مصطفى الصاوي الجويني منشأة المعارف 138 .